علي الهجويري
235
كشف المحجوب
إذ يتساوى عندهم الترهيب والترغيب ، فقلوبهم مختومة لأن سبب العقيدة ليس إلا إرادتنا ، وليست بأعمال المجاهدة ، حينئذ يكون ما أوحى اللّه به إلى أنبيائه وما أنزله عليهم من الأديان السماوية ليس الا سببا للوصول ، لا علة لأنه بالنسبة للفرائض قد استوى أبو بكر وأبو جهل لكن أبا بكر وصل بعدله وفضله ، بينما هلك أبو جهل بعدله وفضله ، لذلك فعلة الوصول هو الوصول نفسه ، لا طلب الوصول ، لأنه لو كان الطالبون متحدين مع المطلوب لكان الطالب والمطلوب واحدا ، وفي هذه الحالة لا يكون طالبا ، لأن الواصل قد استراح ، بينما الطالب ليس كذلك ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « من استوى يوماه فهو مغبون » « 1 » أي أن الطالب يستوى يوماه غبن ، فالواجب عليه أنه يتقدم وهذه درجة الطالبين . وقال أيضا : « استقيموا ولن تحصوا » « 2 » ، إذن فقد رأى أن للمجاهدة سبب وأثبت هذا السبب كما أثبت حجته ونفى الوصول من السبب لتحقيق الإلهية . أما من جهة برهانه أن أوصاف الخيل تتغير بالمجاهدة ، فاعلم أن المجاهدة سبب استخرج أوصاف كانت كامنة في الخيل ، لكنها لم تظهر إلا بعد التربية ، لأن المجاهدة لا تجعل الحمار حصانا ، ولا الحصان حمارا ، لأن هذا تغيير للحقائق . وحيث أن المجاهدة ليس لها قوة على تغيير الحقائق فإنه من المستحيل إثباتها في الحضور مع اللّه . لقد كانت تحدث لهذا المرشد مجاهدات يخص بها نفسه ، ومع أنه كان متحققا بها فإنه لم يكن يقدر على التعبير عنها بالكلمات ، ولم يكن مثل بعضهم الذين جعلوا ديدنهم التكلم في المجاهدة بدون العمل بها . فما أقبح أن ينقلب العمل إلى مجرد كلام ، وبالاختصار فالصوفية يجمعون على وجود المجاهدة وتهذيب النفس ، ولكن يخطئ من جعل قصارى جهده التفكير فيها ، فهؤلاء الذين ينكرون المجاهدة لا ينكرون حقيقتها ، ولكن ينكرون مجرد النظر إليها أو أن أحدهم يفرح بأعماله ، ذلك أن المجاهدة عمل الانسان أما المشاهدة هي الحالة التي يضع اللّه تعالى
--> ( 1 ) حديث موضوع - انظر كشف الخفاء للعجلوني . ( 2 ) رواه أحمد وابن حبان وغيرهما .